أمي أول مدرسة: دروس كبرنا عليها
كلنا كبرنا على جمل نسمعها كل يوم من أمهاتنا. وقتها كنا نحسبها مجرد تكرار، أو "نقّ" الصباح. لكن لما كبرنا، فهمنا إن ورا كل جملة درس، وإن أمهاتنا كنّ يعلّمننا من غير ما يقولون "هذا درس".
أهم الدروس اللي أصبحت جزء منا ما تعلّمناها بصف ولا كتاب. تعلّمناها في البيت، على السفرة، ومع أكلة جهّزتها لنا أمهاتنا. ومع كل عودة للمدارس، نرجع لبعض هذه الدروس، ولأمهاتنا اللي كنّ أول مدرسة قبل أي مدرسة.
على سفرة الفطور بدت أول الدروس
"ما تطلعين بدون فطور"...
كانت أول جملة في اليوم. ما كانت عن الجوع، كانت طريقتها تقول: ابدئي يومك وأنتِ قوية ومستعدة. علّمتنا إن الاهتمام بنفسنا يجي أول، حتى في أزحم الأيام اللي ما عندنا وقت فيها.
وقبل ما نصحى، كانت هي صاحية. تجهّز وترتّب وتفكّر في كل شيء قبل ما يفتح أحد عيونه. "الصبح بدري" ما كان مجرد عادة، كان إخلاص يومي وحضور ما ينقطع.
وكانت تجهّز فطور بكرة وهي تطبخ عشاء اليوم. خطّطت قبل لا تصير الجدولة "مهارة" يتكلمون عنها، وعلّمتنا إن اللي يفكّر في بكرة ويخطط له، يرتاح بكرة.
واليوم، نفس هذه الأوقات أصبحت لنا. ولأن وقت الصباح ما يرحم، جبنة بوك تسهّل علينا نجهّز فطور سريع ولذيذ، عشان نبدأ يومنا ويوم أطفالنا بنفس الاهتمام اللي بدأ مع أمهاتنا.

اللانش بوكس رسالة حب يومية
عند أمي، الحب كان ينقاس بسندويتش زيادة. السندويتش الزايد ما كان عن الجوع، كان "خذي معك شوية حب إضافي". تعلّمنا إن أصغر لقمة ممكن تحمل أكبر اهتمام.
وكانت تسأل "أكلتي؟" كل ما رجعنا. ووراها كانت تسأل سؤال ثاني: "أنتِ بخير؟". الأكل كان طريقتها تطمّن على حالنا من غير ما تفتح الموضوع.
ولو رجع اللانش بوكس مليان، يبدأ التحقيق: "ليش ما أكلتي؟". ما كان عن الأكل بس، كان عن الانتباه للتفاصيل الصغيرة، واللي أحياناً نحسّه ولا نقوله.
وهنا بعد، بوك تمشي معنا. لانش بوكس بسيط بجبنة بوك يصير وجبة يحبها الطفل ويرجع صحنه فاضي، وتبقى رسالة الحب اللي تعلّمناها من أمهاتنا تنكتب كل يوم بطريقتنا.

في المطبخ تعلّمنا أكثر من الطبخ
أمهاتنا ما كنّ يحتاجون وصفة ولا ميزان. يطبخون بالحدس، بعد سنين من الممارسة. علّمونا إن الثقة تجي بالتجربة، وإن أحلى الأكل ما له مقادير ثابتة.
وكانوا يقولون "اللي من البيت أطيب". ليس لأن البيتي لازم يكون أصعب أو أكمل، لكن لأنه يحمل تعب وحب واهتمام. الطعم الحقيقي كان في اللي وراه، وليس بس في الصحن.
وحتى "لا تنسين تطلّعين الدجاج من الفريزر" كانت درس. درس في تحمّل المسؤولية والتخطيط والانتباه للتحضير اللي ما أحد يشوفه. كانت تذكّرنا إن ورا كل وجبة جاهزة شغل وتعب ما ننتبه له.

ونفس الإحساس نقدر نمرره اليوم بطريقتنا. نسوّي أكل بيتي بسيط ونحط فيه بصمتنا، وبوك تسهّلها علينا، من غير ضغط ولا توتر نسوّي كل شيء من الصفر، تماماً مثل ما تعلّمنا إن الحب هو الأساس.
دروس سهّلت حياتنا حتى برّا البيت
"خذي جاكيتك لا تبردين"...
كانت تتقال في كل الأوقات وحتى في عز الصيف. الجاكيت ما كان هو المقصود، كان اهتمامها هو الرسالة. علّمتنا إن الوقاية أهون من الندم، وإننا نفكّر باللي حولنا.

"اتصلي فيني أول ما توصلين"...
ما توقفت مع العمر. مهما كبرنا وصرنا مستقلين، يبقى في أحد قلبه معنا. الحب أحياناً يكون مجرد سؤال: "وصلتي بالسلامة؟".
ولأنك أنتِ المدرسة
كل هذه الدروس ما جت من منهج وغيرها كثير، لو نقعد نعدّها ما يكفينا العمر. جت من أمهاتنا، وبقت معنا حتى اليوم. واليوم، أصبحنا أحنا اللي نقول نفس الجمل، ونجهّز نفس الفطور، ونحط نفس "شوية الحب" اللي تعوّدنا عليهم في كل أكلة.
لأنك من قبل أي صف، أنتِ المدرسة. وبوك حليفك في هذه اللحظات اليومية الصغيرة، اللي فيها يتعلّم أطفالك أجمل الدروس، وتنزرع فيهم من غير ما ننتبه.